في
هذا الوقت من تاريخنا ، و وسط هذا التقدم الحضاري الكبير ، لا زال الكثير منا
يتعرّضون لفكرة قديمة سائدة بين العامة تقول أن الواقع الذي ندركه من خلال
حواسنا التقليدية ، ليس هو الواقع الحقيقي ، إن ما نراه قد لا يكون الحقيقة .
قال
الفلاسفة القدماء مثل هيراقليطوس : " إن الأشياء متغيّرة على الدوام ، مهما
كانت درجة صلابتها".. و علّم سقراط تلاميذه أن يتساءلوا عن كل شيء ، حيث قد لا
تكون الأشياء كما تبدو عليه .. و أحد تلاميذه ، أفلاطون ، أعطانا المثال
المشهور عن "الكهف" حيث قال أن الناس التي تقطنه تنخدع بظلال الأشياء و تظن أن
تلك الظلال هي الحقيقة ، بينما الأشياء الحقيقية هي وراء ظهورهم لكنهم لا
يرونها . و في الفلسفة الشرقية ( الهندية عامة ) ، علّموا أن الواقع الذي يدركه
الإنسان ليس سوى " وهم" ، حيث أن العالم المادي هو "حلم" و يجب على الإنسان أن
يصحوا منه .
و
الأديان السماوية علّقت أهمية كبيرة على "الجنة" بدلاً من "الدنيا". فالجنة هي
الواقع الأبدي الذي يجب علينا أن نجتهد من أجله . بينما البحث عن الشهوات
الدنيوية يضعنا في موقع "الخطيئة"
|
بالإضافة
إلى ذلك ، فقد مررنا بقرن كامل يتحدّث عن الفيزياء الكمية و النظريات النسبية
و
الهولوغرام و غيرها من النظريات التي تقول أن عالم الأشياء الصلبة المحيطة
بنا هو ليس سوى عالم من الجزيئات الذرية ، تتحرّك على الدوام داخل و خارج
الوجود في بعد رابع غير ملموس أو مدرك ، و يرتفع بعاملي المكان و الزمان إلى
كيان موحّد عظيم .
بالرغم من كل هذه الأفكار التي سمعناها على مدى التاريخ ، يبدو أننا لازلنا نجد
صعوبة في أن نصدّق بغير أن العالم هو كما نراه من النظرة الأولى ، مهما حاولت الأفكار
العصرية و التقليدية ( الأديان ) أن تذكّرنا بأن " لا ننخدع بالمظاهر".
لكن يبدو أننا نشعر بارتياح أكثر في عيش حياتنا اليومية ، و العالم الذي ندركه
بحواسنا الخمسة (المحدودة) ، هو في نظرنا الواقع بحدّ ذاته .
يمكن أن نتقبّل ، كأفراد عقلاء ، ما يقوله العلم و الفلسفة و حتى التعاليم
الصوفية ، التي تتحدّث جميعها عن الواقع من زاوية مختلفة تماماً . و قد نسلّم
بهذا الكلام على أنه الحقيقة ، لكن تبدو هذه الأفكار غير عملية في حياتنا
اليومية ، حيث الصراع المستمر للبقاء ، مثل تأمين لقمة العيش ، دفع الضرائب ،
علاقات غرامية ، حروب ، الانشغال بإيجاد وساءل جديدة للتقدّم والارتقاء في
الحياة ، و غيرها من هموم دنيوية
متعددة .
فلا يهمنا إذا كان الضوء هو موجة أو جزيء كما
يتجادل عليه العلماء
، أو ما يقوله لنا الفيزيائي ديفيد بوهم بأن العالم هو هولوغرام
، متعدّد الأبعاد . مهما كانت حقيقة هذه الدنيا ، فنحن وجدناها كما نراها الآن . جئنا إلى هذه الحياة و وجدنا الكثير من المشاكل الحياتية بانتظارنا ،
ففرض علينا أن نكون عمليين أكثر ، واقعيين أكثر ، دنيويين أكثر . فلا وقت
للتأمّل أو التعمّق في خفايا هذه الدنيا و غموض معانيها .
قد يكون الكلام السابق صحيح ، لكن بنفس الوقت ، يمكن أن يكون توجّه خاطئ .
فليس هناك مشكلة في أن نفعل ما بوسعنا من أجل البقاء ، و حتى الارتقاء في هذا
العالم . لكن المشكلة هي أننا ، خلال هذا الصراع الدنيوي
المرير ، ننسى بأنه هناك واقع آخر ، شيء خفي عميق يتجاوز الواقع الملموس . و
نتيجة لذلك ، نصبح سطحيين في تفكيرنا و سلوكنا . و إن لم نخترق هذا الحاجز
الفكري الوهمي و نتعمّق في خفايا الحياة الغامضة ، سوف نبقى دون عمق . و
عن طريق اكتشاف أعماقنا نجد أنفسنا و أرواحنا التي هي وراء المادة ، و
هذا لو أنّكم تعلمون ، هو الأهم .
| ||

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire